محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

40

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

مهيمنة حتى الآن لأسباب سياسية أساسا ، وأقصد بها القراءات المحصورة داخل بروتوكول الإيمان . ينبغي تفكيكها ثقافيا وفكريا . ننتقل الآن إلى النقطة الثالثة من موضوعنا : وهي التداخلية النصّانية بين القرآن والنصوص الأخرى التي سبقته . وهنا نريد أن نقوم بقراءة تاريخية أفقية للخطاب القرآني ، وذلك ضمن منظور المدّة الطويلة جدا بحسب تعبير المصطلح الشهير للمؤرّخ الفرنسي فيرنان بروديل . وهذه المدة الطويلة جدا سوف تشمل ليس فقط التوراة والإنجيل ، وهما المجموعتان النصّيتان الكبيرتان اللّتان تتمتعان بحضور كثيف في القرآن ، أو في الخطاب القرآني ، وإنما ينبغي أن تشمل كذلك الذاكرات الجماعية الدينية - الثقافية للشرق الأوسط القديم « * » . وبهذا الصدد ، يمكن القول إنّ سورة الكهف تشكّل مثلا ساطعا على ظاهرة التداخلية النصّانية « * * » الواسعة الموجودة أو الشّغالة في الخطاب القرآني . فهناك ثلاث قصص هي : أهل الكهف ، وأسطورة غلغاميش ، ورواية الإسكندر الأكبر ، وجميعها تحيلنا إلى المخيال الثقافي المشترك والأقدم لمنطقة الشرق الأوسط القديم . وهي جميعها ممزوجة أو متداخلة في سورة واحدة من سور القرآن ( سورة الكهف ) لكي تدعم وتجسّد نقل الشيء ذاته ، وهو :

--> * مصطلح « المدّة الطويلة » duree longue la من اختراع المؤرّخ الفرنسي فيرنان بروديل . وهو يعني به ما يلي : هناك ظواهر أو نصوص لا يمكن فهمها إذا ما وضعناها داخل إطار المدة القصيرة أو المتوسطة ( أي من عشر سنوات إلى مائة سنة مثلا ) ، وإنما ينبغي أن نموضعها ضمن شريحة زمنية طويلة قد تصل إلى ألف سنة أو حتى ألفي أو ثلاثة آلاف سنة وربما أكثر . فمثلا ظاهرة كالطائفية لا يمكن فهمها إذا ما حصرنا منظورنا بالعشرين أو الثلاثين عاما الماضية . وقل الأمر نفسه عن ظاهرة العنصرية الموجودة في بعض البيئات الغربية حاليا . فلا يمكن فهمها إلا إذا عدنا إلى جذورها الايديولوجية في القرن التاسع عشر . وهذا هو معنى تفسير الحاضر عن طريق الماضي . أما في ما يخص النص القرآني ، فلا يمكن فهمه جيدا إلّا إذا وضعناه داخل إطار المدة الطويلة للتاريخ ، أي تلك التي تشمل ليس فقط التوراة والإنجيل وإنما أيضا أديان الشرق الأوسط السابقة عليهما . . * * التداخلية النصّانية هي الترجمة العربية للمصطلح الفرنسي intrtextualite ، أو بالأحرى هي الترجمة التي اخترناها نحن . وهي تعني أن نصّا ما - كالنصّ القرآني مثلا - قد يتأثر بالعديد من النصوص السابقة له كالنصّ التوراتي والنصّ الإنجيلي ، بل وحتى ما قبل التوراة والإنجيل . وهكذا تتداخل هذه النصوص - أو مقاطع منها - مع النصّ القرآني ، ويستوعبها هذا الأخير حتى تصبح جزءا لا يتجزأ منه . وهذا لا يعني التقليد كما يتوهم بعضهم ، وإنما يعني التفاعل والاستيعاب والدمج المبدع الخلاق . ولذلك نجد في سورة واحدة - هي سورة الكهف - أصداء واضحة لثلاثة قصص سابقة هي : قصة أهل الكهف المسيحية ، وملحمة غلغاميش الآشورية ، ورواية الإسكندر الكبير الإغريقية . هكذا نجد ثلاث مرجعيات ثقافية قديمة متداخلة مع النص القرآني أو موظّفة فيه .